العمران المصري حتى عام 2020-المجلد الأول

Description

تهدف هذه الدراسة إلى رصد العمران المصري في أواخر القرن العشرين ثم محاولة استقراء مساراته في عام 2020 في ظل عدة احتمالات لما سوف يكون عليه النظام العام في مصر في هذا التاريخ. وهذه الدراسة جزء من دراسة موسعة لكافة جوانب الحياة المصرية تحت عنوان “مصر 2020”.

ولقد أخذ العمران في هذه الدراسة بمعنى “عمران الأرض” بكل ما تعنيه هذه العبارة الموجزة من تنمية وحضارة وارتقاء بالحياة.

فالعمران من ناحية يمثل الحيز المكاني الذي يشيده الإنسان ليعيش فيه كفرد واسرة وجماعة، ويمارس فيه نشاطاته الحياتية، ويحقق فيه احتياجاته المادية والوجدانية. ومن ناحية اخرى فهو يمثل ضرورة اجتماعية يؤثر فيها ويتأثر بها.

فقد انبثق العمران في كل حقبة تاريخية من النسق الاجتماعي الاقتصادي السائد في هذه الحقبة، وفى إطار المحددات الجغرافية للحيز الذي نشأ فيه. وحركة العمران هي حركة التفاعلات المستمرة عبر التاريخ بين الإنسان والمكان الذي يعيش فيه. فالعمران في حقيقة الأمر قراءة في جغرافية المكان، وقراءة في تاريخ المجتمع.

ويتكون العمران أفقياً “مكانيا” من ثلاثة مكونات وهي: القرى والمدن والمجتمعات الجديدة، ويتكون رأسياً “خدميا” من ثلاثة عناصر وهي الإسكان والمرافق والتشييد. وتمثل المكونات الأفقية والعناصر الرأسية في تقطعها شبكة العمران التي تغطي الحيز المعمور بأكمله.

فالقرية تمثل المستقر الأول للإنسان وفيها مارس نشاطاته الأولى وهي الزراعة وكل ما يتعلق بها من عمل وحرف وتجارة. وفى الآونة الأخيرة توارت إلى الظل الصفة الزراعية للقرية وبدت عليها مظاهر التحضر أو ما يسمى “بتحضر الريف” وذلك نتيجة لمتغيرات سكانية واجتماعية متلاحقة ألمت بكل من القرية والمدينة على السواء.

أمام المدينة فهي المستقر الحضري وفيها قامت مؤسسات الحكم والإدارة، كما قامت فيها مؤسسات الإنتاج والتجارة والخدمات. وتدور كل مجموعة من القرى حول المدينة المركز كما تدور عده مدن “مراكز “حول المدينة “الإقليم”، ويدور الجميع في فلك المدينة الدولة أو المدينة العاصمة وهي البؤرة المهيمنة على النسق العمراني كله. وكما انتقلت النشاطات الحضرية من المدينة إلى القرية فقد توالت الهجرات البشرية من القرية إلى المدينة وأدت على ما يسمى “بتريف الحضر” فالجدار الفاصل بين القرية والمدينة قد أخذ في التلاشي تدريجياً في الآونة الأخيرة والفروق بينهما أخذت في الاختفاء الواحد تلو الأخر.

 

وتمثل المجتمعات الجديدة المستقرات التي أنشئت خارج الحيز المأهول الحالي في الحقبة الأخيرة بعد أن ضاق الوادي بساكنيه. وتدل التجربة المصرية – كما تدل التجارب العالمية أيضا – على ان المجتمعات الجديدة يجب أن تنشأ بالتوازي مع مشروعات التنمية في المحاور التنموية الجديدة، إذ أنها في حقيقة الأمر تعتبر استجابة لضرورات التنمية ووسيلتها لتحقيق أهدافها. كما أن مواقع هذه المستقرات وأحجامها وأنماطها المعمارية والتخطيطية تتحدد في إطار تخطيط إقليمي وقومي شامل، فهي لا يمكن أن تقام فرادى وبدون أسس تنموية تبعث فيها الحياة والنماء.

أمام العناصر الخدمية للعمران فتشتمل على الإسكان والمرافق والتشييد. فالإسكان يمثل المأوى وهو قلب العمران النابض وأكثر عناصره تأثيرا على الفرد والأسرة والمجتمع. وحاجة الإنسان للسكن هي حاجة أساسية لا غنى عنها شأنها شأن الغذاء سواءً بسواء. لذا فإن إحدى المهام الرئيسية للمجتمع هي توفير المسكن الملائم للإدارة في كل مراحل تطورها وعلى الأخص في مرحلة تكوينها الأولى.

وتعتبر المرافق العامة شرايين العمران التي تربط المستقرات البشرية بكل أنواعها وأحجامها بعضها ببعض في وحدة عمرانية متكاملة. كما لا يمكن أن تقوم حياة حضرية أو ريفية إلا إذا توافرت لها خدمات المرافق العامة الضرورية من نقل وطرق ومياه وصرف صحي وكهرباء واتصالات وغيرها. فهي أحد عناصر العمران الرئيسية والتي تسبق في الإنشاء والتنفيذ عناصره الأخرى، وهي بذلك تمثل الخط الأمامي في مسيرة العمران. ويعنى التشييد صناعة العمران أي إقامة المباني ومد المرافق. وهو كصناعة له مكوناته من الهياكل الإدارية والفنية ومن العدد والآلات. وتغذى صناعة التشييد روافد عدة من صناعات أخرى مكملة لها مثل صناعة مواد البناء وصناعة التركيبات والتجهيزات            الكهرو ميكانيكية التي تدخل في صناعة البناء. فهي بذلك أكثر الصناعات استخداما للقوى العاملة وأوسعها تأثيرا على الاقتصاد القوى العام.

وقد جاءت هذه الدراسة في مرحلة هامة تمثل منعطفا تاريخيا في مسار العمران المصري لقد بلغ الاتزان بين الإنسان والمكان مداه في منتصف القرن العشرين حيث كان عدد السكان 20 مليون نسمة، ومساحة الأرض الخصبة في الوادي والدلتا حوالي 5 ملايين فدان. ولكن أصاب هذا الاتزان خلل كبير خلال النصف الأخير من القرن العشرين، إذ شهدت هذه الفترة تزايدا في عدد السكان مع تناقص في مساحة الأراضي الزراعية. فقد بلغ عدد السكان في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين ما يقرب من 70 مليون نسمة أي مرتين ونصف ما كان عليه في منتصف القرن العشرين. وفى نفس الفترة تآكلت الأراضي الزراعية نتيجة الامتدادات العشوائية في القرى والمدن، وبلغ مجموع ما فقدته مصر مليونا ونصف مليون فدان (36 % من مساحة الأراضي الخصبة) مما يعنى تزايداً مفرطا في السكان ونقصا كبيرا في المكان أي ان المكان ولأول مرة في تاريخ مصر صار ضيقا بشاغليه

واصبحت الحاجة ماسة – للحفاظ على ما بقي من ارض مصر- إلى الخروج من الحيز المأهول الحالي الذي يمثل 4 % من مساحة مصر فقط إلى الحيز غير المأهول في الصحراوات الغربية والشرقية وفى السواحل وفى شبه جزيرة سيناء. فكما أن الجدار الفاصل بين المدينة والقرية أخذ في الاختفاء في العمران الحالي، فإن الجدار الفاصل بين الحيز المأهول والحيز غير المأهول يجب أن يتلاشى لكي يعاد توزيع السكان على كافة المسطحات الجغرافية ذات الإمكانات التنموية الظاهرة منها والباطنة.

وبمعنى آخر فإن مصر على أبواب عمران جديد لم تشهده من قبل، يتمثل في عمران الصحراء وعمران السواحل أي عمران الأرض الصفراء، بعد أن بلغ العمران القديم – عمران الأرض السوداء، نهاياته، بل وتجاوز نقطة الاتزان بأكثر من خمسين عاما من الزمان.

وتشمل هذه الدراسة ثمانية أجزاء الجزء الأول منها هو مقدمة في العمران – الخصوصية المصرية كتمهيد عام للعمران المصري وتعريف بمكوناته والقوى المؤثرة في تشكيله وتوجيه مساراته. ثم يلي ذلك ثلاثة أجزاء لمكونات العمران المكانية وهي المدن والتحضر، والقرية والتنمية الريفية، والمدن والمجتمعات الجديدة ويلي ذلك ثلاثة أجزاء لعناصر العمران الخدمية وهي الإسكان، والمرافق العامة – شرايين العمران، والتشييد ثم يأتي الجزء الثامن والأخير ليستكشف ما قد يكون عليه العمران المصري في عام 2020 في ضوء خمسة سيناريوهات يمثل كل منها أحد النظم العامة المحتملة التي قد تكون سائدة في مصر في هذا الوقت.

وقد شارك في إعداد هذه الدراسة فريق من الخبراء والمتخصصين (انظر الصفحة التالية). واستغرقت الدراسة وقتا غير قصير واستنفدت جهدا غير قليل. ويرجع ذلك إلى أن هذه الدراسة هي المحاولة الاولى لجمع شتات العمران في منظومة واحدة والقاء الضوء على بعده الإنساني والاجتماعي، ايمانا منهم بما آمن به ابن خلدون من قبل من ان علم العمران “هو علم مستقل بنفسه فانه ذو موضوع وهو العمران البشرى والاجتماعي الإنساني، وذو مسائل وهي بيان ما يلحقه من العوارض والاحوال” كما جاء في مقدمته الشهيرة.

وأشرف على هذه الدراسة وراجعها ووضع خطوطها الرئيسية المنسق العام لمشروع “مصر 2020” الدكتور/ اسماعيل صبري عبد الله والمنسق المشارك الدكتور/ ابراهيم سعد الدين، والفريق المركزي للمشروع الدكتور/ ابراهيم العيسوي والدكتور/ عبد الباسط عبد المعطى والدكتور/ على نصار والدكتور/ فايز مراد مينا والدكتور/ مصطفى علوي والدكتور/ محمد رضا محرم المشرف المباشر على الدراسة.

وجاءت الدراسة في صورتها الأخيرة نتيجة لتعاون مثمر بنّاء بين فريق الدراسة وفريق الإشراف والمراجعة. ونرجو أن تجد لها مكانا بجانب الدراسات الجادة المهتمة بمصر الحاضر ومصر المستقبل.

د. أبو زيد راجح

الباحث الرئيسي