نحو مكافحة الفقر- دور السياسات العامة في مصر والعالم

Description

المؤلفون:د. زيد أبو راجح- د. حسن عبيد- د. مروة بلتاجي- د. أشرف سمير- د. مديحة خطاب- د.هبه نصار- د. هبه الليثي

كشفت التجربة الإنسانية في كل بقاع العالم تقريبا وهم الاعتقاد بأن التعويل على قوى السوق كفيل بالقضاء على الفقر أيا كان تعريفة سواء كفقر الدخل أو فقر القدرات. فحتى في ظل المنافسة الكاملة سيخرج بعض المنتجين من السوق ويتشرد عمالهم ومن ثم يقعون في دائرة الفقر كما ان امتلاك قدرات تعليمية وصحية لا يوفر ضمانا بالحصول على عمل، ومن ثم على دخل يفي بضرورات الحياة. ولذلك انتهت الحكومات في الدول الرأسمالية التي تعلي من شأن آلية السوق في إدارة اقتصادها إلى الآخذ ببرامج متعددة لتجنب وقوع أعداد كبيرة من السكان في هوة الفقر وما يعرف بخدمات دولة الرفاهة في بعض الدول، أو اقتصاد السوق الاجتماعي في دول أخرى، هما نموذجان لهذه البرامج والتي لم ينجح الجنوح إلى التقليل من دور الدولة في ظل انتشار موجة الليبرالية الجديدة في اسقاطها تماما من التزامات الحكومات في الدول الرأسمالية المتقدمة، كمان اضطرت الحكومات في الدول التي عرفت نقلة كبري في اقتصاداتها بفضل جرعات هائلة من الاستثمارات المحلية والأجنبية، التي وسعت من قدراتها الإنتاجية ولكن تركت وراءها جيوشا من الفقراء والمهمشين، أن تأخذ ببرامج جديدة تستهدف تحديدا علاج الآثار السلبية لهذه النمو على مستويات معيشة وأوضاع حياة اعداد كبيرة من المواطنين.

ولذلك أصبحت مكافحة الفقر هدفاً للسياسة العامة في العديد من دول العالم، طبعا نجحت برامج دولة الرفاهة في الدول المتقدمة في تجنيب تعرض اعداد كبيرة من المواطنين لهذين النوعين من الفقر. توفير التعليم والخدمات الصحية والسكن الرخيص لكل المواطنين سوف يقيهم من معاناة فقر القدرات، وإعانات البطالة أو العجز عن العمل سوف تحصنهم من انعدام مصدر للدخل أو انخفاضه عن الحد الضروري لإشباع حاجاتهم الأساسية. هذا هو الوضع السائد في الدول الاسكندنافية وألمانيا مثلا، وحتى في حالة الولايات المتحدة والتي هي الأقل اخذا بهذه البرامج، فإن حكومتها تتيح للفقراء الحصول على كوبونات الطعام التي توفر لهم قدرا من الغذاء وقد سعي الرئيس أوباما منذ فترته الاولي في البيت الأبيض إلى إتاحة الرعاية الصحية على نحو ميسور، وهو ما مكن أكثر من عشرين مليون مواطن أمريكي من الاستفادة من خدماتها والتي لم يكونوا يقدرون على تحمل نفقاتها قبلا.

وقد أدركت ذلك بعض دول الجنوب التي عرفت معدلات نمو عالية بفضل جرعات هائلة من الاستثمارات الأجنبية والمحلية، ومع ذلك فإن نموها السريع اقترن أيضا بزيادة أعداد الفقراء فضلا عن استمرار التردي في توزيع الدخول والثروات، ولذلك بعد فترة من التردد، اخذت دول مثلا البرازيل والمكسيك تضع القضاء على الفقر في سلم أولوياتهاـ وابتكرت برامج خاصة تجمع بين رفع مستويات التعليم والصحة والغذاء طريقا للتخفيف من دخل الفقر ودخل القدرات معا، ونجحت هذه البرامج إلى حد كبير.

في كل هذه الحالات وظيفة السياسة العامة التي تضعها الحكومة هي علاج الاثار السلبية لعمل أداة السوق. فسعى كل الافراد لتحقيق مصلحتهم الفردية، لا يضمن أن ينجح كلهم في بلوع هذا الغرض، فالسوق لا تحكمه العدالة ولكن يحكمه قانون العرض والطلب، ولذلك فقد لا يملك العديد من الأشخاص القدرات التي يطلبها السوق، وهذا هو حال ملايين من المتعلمين في دول يقتصر الطلب فيها على العمالة الماهرة، أو قد لا يطلب السوق هذه القدرات بالأعداد المعروضة بالفعل. وكان الاعتقاد قد ساد فترة طويلة بأن السوق يعمل كما لو أن يدا خفية توجهه لكي تتحقق المصلحة العامة في انتشار فرص العمل والعيش الكريم عندما يسعى كل فرد لتحقيق مصلحته الخاصة.

ولكن تعلمت الإنسانية خطاُ مثل هذا الاعتقاد ولكن بعد ان دفعت ثمنا مريرا ومرت بأزمان ومرت بأزمان اقتصادية واجتماعية في بلاد الشمال الغني وفي بلاد الجنوب على حد سواء. وهكذا فقد كانت التجربة التاريخية، وليس دعوات المصلحين، هي التي دعت الحكومات إلى وضع الفقر على قائمة اهتمامات السياسة العامة، ولكن هذا لا يعني ضرورة انتظار وقوع أزمات مماثلة حتى يتم استخلاص الدروس من تجارب الاخرين.

بل إن وقوع الازمات أيضا لا يكفي لانتهاج الحكومات سياسات تضع مكافحة الفقر بين أولوياتها، فقد ساد الاعتقاد مثلا بأن الفقر هو مجرد عرض للأحوال الاقتصادية، وكما أن الاقتصاد يعرف دورات من الانتعاش والانكماش ويقترن الفقر بحسب هذا المنظور بالانكماش فسوف تدور عجلة الاقتصاد ويعقب الانكماش انتعاش يتقلص معه حجم الفقر، ولذلك لا تدعو الحاجة إلى اتباع سياسات خاصة، يكفي فقط الانتظار حتى تفعل قوانين الاقتصاد فعلها بينما قد يري اخرون أن الفقر هو قدر بعض الأشخاص، كما أن الثراء هو قدر آخرين، ولذلك ليس هناك ما يدعو للتدخل في قوانين الكون. ولذلك فإن الاخذ بسياسات مكافحة الفقر يقترن عادة بتحول الفقراء إلى قوة سياسية. إما بوصول الحزب الذي يمثلهم او يتعاطف معهم إلى السلطة واستمرار التزامه بالحرص على مصالحهم، ليس فقط لأنهم قد يكونون الأغلبية. ولكن لأن ذلك هو صالح الاقتصاد ذاته، فتقليص حجم الفقر يعنى أيضا تعزيز القوة الشرائية واتساع حجم السوق مما يفتح الباب امام مزيد من الاستثمارات وتوسع الإنتاج للاستجابة لهذه المطالب المتزايدة. أو تقنع الازمات الاقتصادية وما يصحبها من احتجاجات جماعية للفقراء على اضطرار من بيدهم السلطة الى أن أخذ مطالبهم في الاعتبار هو الذي قد يجنب بلادهم التهديد بثورة تطيح بهم. أي أن الاخذ بسياسات مكافحة الفقر يسبق تحول الفقراء إلى قوة سياسية فاعلة أو ممكنة.

ولكن نجاح سياسات مكافحة الفقر لا يتوقف فقط على مجرد الاخذ بها، فلا بد أن يتم تصميمها بحيث تستهدف الفقراء بالفعل ولا تتسرب الموارد المخصصة لها إلى جيوب الأخرين سواء من موظفي الحكومة أنفسهم، أو جماعات أخرى من العاملين في السوق يستخدمونها لأغراض أخرى، كما لابد من تخصيص الموارد الكافية لها.

وأن يملك الجهاز الإداري القائم على تنفيذها من المعرفة والمهارات والقدرة التنظيمية فضلا عن النزاهة، بما يمكنه من تنفيذها على النحو الذي صممت من أجلة.

كل هذه الاعتبارات جالت بذهن شركاء التنمية عندما اضطلعوا مع الوكالة الاسبانية للتعاون الإنمائي الدولي على بدء المشروع البحثي الذي كانت ثمرته هي هذا الكتاب الذي بين ايديكم اعزاءنا القراء. وقد خططوا له بحيث يوفر أولا صورة لأبعاد الفقر في مصر، ثم يستعرض في فصوله المتتابعة السياسات التي بذلتها حكومات مصر المتعاقبة للتعامل مع هذه القضية، وأوجه النجاح النسبي أو القصور في هذه السياسات والتجارب الدولية ذات الصلة، والدروس التي يمكن الخروج بها من هذه التجارب. واستقر رأي الفريق البحثي الذي عكف على دراسة أبعاد الفقر في مصر على أن يكون التركيز على عدد محدود من هذه السياسات، وهي تحديدا سياسات التعليم والصحة والإسكان وفوارق النوع، استرشادا من ناحية بمفهوم التنمية البشرية، والذي يعتبر البشر هم غاية التنمية وهم القائمون بها، ومن ثم فلا سبيل لتحقيق تنمية إنسانية دون الاهتمام بمن على أيديهم تتحقق هذه التنمية، ودون الارتقاء بمهاراتهم وقدراتهم، ودون ان يتمتعوا بإشباع حاجاتهم الأساسية، كما أن أي انجاز تنموي ينبغي أن ينعكس عليهم في صورة الارتقاء بأوضاعهم. ولما كان نصف القوة البشرية في مصر تقريبا من النساء فان الاهتمام الخاص بهن، وتضييق الفوارق بينهن والرجال، وهي فوارق تعود إلى ثقافة المجتمع الموروثة التي تم تعطهن فرصا متكافئة مع الذكور في مجالات التعليم والعمل والرعاية الصحية والمشاركة المجتمعية والسياسية. كما توافق المشاركون في هذا المشروع على أن اهم التجارب الناجحة في مكافحة الفقر بأبعاده المختلفة هي تلك التي قامت بها حكومات الصين والبرازيل والمكسيك في العقود الثلاث الماضية هذه الدول. طبعا هناك تجارب ناجحة في دول أخري ولكن كانت تلك أهم التجارب التي اجتذبت اهتمام أعضاء هذا الفريق البحثي بل واهتمام العالم بأسرة.

ولم تقتصر العملية البحثية في هذا المشروع على جهود فردية يقوم بها كل باحثة وباحث في البرج العاجي الشهير، ولكن أعضاء الفريق في معظمهم أولا ممن انشغلوا بهذه القضية فتره طويلة من العمر، وطرحوا أراءهم بشأنها في العديد من المجالات واقتربوا من صناع القرار في المجالات اللصيقة باهتمامهم، ثم كانت اللقاءات المتعددة بين أعضاء الفريق أثناء إعداد الأبحاث فرصة لتبادل الآراء والاستفادة من التخصيب المتبادل لأفكارهم، ثم طرحت النتائج الأولية لهذه الأبحاث في أكثر من ندوة ضمت المهتمين بهذه القضايا من كبار المسئولين في الحكومة، وكان بعضهن وزراء سابقات ومن قيادات المجتمع المدني المهمومة بها، ومن الزميلات والزملاء الذين تقاطعت اهتماماتهم مع اهتمامات الفريق البحثي. وحتى يكون النقاش مستفيضا، خصصت بعض هذه اللقاءات لبحث واحد بعينه، بعد أن طرحت الأبحاث كلها في مؤتمر استغرق يومين عقد وستعرض الصفحات التالية خلاصة ما انتهي الفريق البحثي.